الغزالي

181

إحياء علوم الدين

الأخوان ليستفاد منهم ، لا ليتخلص عن أذاهم . والسكوت معناه كف الأذى . فعليه أن يتودد إليه بلسانه ، ويتفقده في أحواله التي يحب أن يتفقد فيها ، كالسؤال عن عارض إن عرض ، وإظهار شغل القلب بسببه ، واستبطاء العافية عنه ، وكذا جملة أحواله التي يكرهها ينبغي أن يظهر بلسانه وأفعاله كراهتها . وجملة أحواله التي يسر بها ، ينبغي أن يظهر بلسانه مشاركته له في السرور بها . فمعنى الأخوة المساهمة في السراء والضراء . وقد قال عليه السلام [ 1 ] « إذا أحبّ أحدكم أخاه فليخبره » وانما أمر بالإخبار لأن ذلك يوجب زيادة حب . فإن عرف أنك تحبه أحبك بالطبع لا محالة . فإذا عرفت أنه أيضا يحبك زاد حبك لا محالة . فلا يزال الحب يتزايد من الجانبين ويتضاعف . والتحاب بين المؤمنين مطلوب في الشرع ومحبوب في الدين . ولذلك علم فيه الطريق فقال [ 2 ] « تهادوا تحابّوا » ومن ذلك أن تدعوه بأحب أسمائه إليه في غيبته وحضوره . قال عمر رضي الله عنه . ثلاث يصفين لك ود أخيك أن تسلم عليه إذا لقيته أولا ، وتوسع له في المجلس ، وتدعوه بأحبّ أسمائه إليه ومن ذلك أن تثنى عليه بما تعرف من محاسن أحواله ، عند من يؤثر هو الثناء عنده فإن ذلك من أعظم الأسباب في جلب المحبة . وكذلك الثناء على أولاده وأهله وصنعته وفعله ، حتى على عقله وخلقه وهيئته وخطه وشعره وتصنيفه ، وجميع ما يفرح به وذلك من غير كذب وإفراط ، ولكن تحسين ما يقبل التحسين لا بد منه . وآكد من ذلك أن تبلغه ثناء من أثنى عليه ، مع إظهار الفرح ، فإن إخفاء ذلك محض الحسد ومن ذلك أن تشكره على صنيعه في حقك ، بل على نيته وإن لم يتم ذلك . قال علي رضي الله عنه : من لم يحمد أخاه على حسن النية لم يحمده على حسن الصنيعة . وأعظم من ذلك تأثيرا في جلب المحبة الذب عنه في غيبته ، مهما قصد بسوء ، أو تعرّض لعرضه بكلام صريح أو تعريض . فحق الأخوة التشمير في الحماية والنصرة ، وتبكيت المتعنت ، وتغليظ القول عليه . والسكوت عن ذلك موغر للصدر ، ومنفر للقلب ، وتقصير في حق الاخوة